القرطبي
193
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وهذا فيه نظر ، لأنه لو كان ذلك لما قال فرعون : " ولا يكاد يبين " حين كلمه موسى بلسان ذلق فصيح . والله أعلم . وقيل : إن تلك العقدة حدثت بلسانه عند مناجاة ربه ، حتى لا يكلم غيره إلا بإذنه . ( يفقهوا قولي ) أي يعملوا ما أقوله لهم ويفهموه ( 1 ) . والفقه في كلام العرب الفهم . قال أعرابي لعيسى بن عمر : شهدت عليك بالفقه . تقول منه : فقه الرجل بالكسر . وفلان لا يفقه ولا ينقه ( 2 ) . وأفقهتك الشئ . ثم خص به علم الشريعة ، والعالم به فقيه . وقد فقه بالضم فقاهة وفقهه الله وتفقه إذا تعاطى ذلك . وفاقهته إذا باحثته في العلم ، قاله الجوهري . والوزير المؤازر كالأكيل المؤاكل ، لأنه يحمل عن السلطان وزره أي ثقله . في كتاب النسائي عن القاسم بن محمد : سمعت عمتي ( 3 ) تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ) . ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصمه الله ) رواه البخاري . فسأل موسى الله تعالى أن يجعل له وزيرا ، إلا أنه لم يرد أن يكون مقصورا على الوزارة حتى لا يكون شريكا له في النبوة ، ولولا ذلك لجاز أن يستوزره من غير مسألة . وعين فقال " هارون " وانتصب على البدل من قوله : " وزيرا " . أو يكون منصوبا ب " - اجعل " على التقديم والتأخير ، والتقدير : واجعل لي هارون أخي وزيرا . وكان هارون أكبر من موسى بسنة ، وقيل : بثلاث . ( اشدد به أزرى ) أي ظهري . والأزر الظهر من موضع الحقوين ، ومعناه تقوى به نفسي ، والأزر القوة وأزره قواه . ومنه قوله تعالى : " فآزره فاستغلظ " ( 4 ) [ الفتح : 29 ] وقال أبو طالب : ( 5 ) أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب وقيل : الأزر العون ، أي يكون عونا يستقيم به أمري . قال الشاعر : شددت به أزري وأيقنت أنه * أخو الفقر من ضاقت عليه مذاهبه
--> ( 1 ) في ج وز وك : يفقهوه . ( 2 ) معناه لا يعلم ولا يفهم . ونقهت الحديث أنقهه إذا فهمته . ( 3 ) في ج وى : عمى . ( 4 ) راجع ج 16 ص 295 . ( 5 ) هذا البيت من قصيدة له قالها في أمر الشعب والصحيفة .